مشاهدة النسخة كاملة : نصوص الشريعة وتنمية مهارات التفكير
البرنس
09-11-2007, 06:06 PM
نصوص الشريعة وتنمية مهارات التفكير
د. عبدالرحمن بن مبارك الفرج
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد خلق الله سبحانه وتعالى هذا الإنسان ضعيفًا وهذا أمر لا جدال فيه ؛ يقول الله سبحانه وتعالى: (( يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا)) . وقال تعالى : ((الله الذي خلقكم من ضعف )) .
إلا أن الله سبحانه وتعالى وهبه العقل الذي هو محل التفكير وبه استطاع أن يطوع ما حوله من مكونات هذا الكون من جمادات وأحياء مثل الجبال الشم والسهول الخضر والبحار الزاخرة والحيوانات الأليفة والمتوحشة الضخمة منها والصغيرة؛ لصالحه ولرفاهيته ، فأصبح الإنسان بعقله وتفكيره أقوى قوة على هذه البسيطة ، وبقدر استعماله عقله وتفكيره يستطيع السيطرة حتى على غيره من بني البشر ، فلم ترق أمة إلا بقدر ما لديها من عقول تفكر فتخترع وتبني وتؤسس وتنظم وتوجد الحلول للمشكلات .إن الأمم التي لا تمتلك تلك العقول تبقى على الدوام تابعة لا متبوعة ، خيراتها لغير أبنائها ، وثرواتها لا ينال أبناؤها منها إلا النزر اليسير .
وتحرص الأمم على معرفة الطريقة التي يفكر بها أفراد الأمم الأخرى من أعدائها حتى تتمكن من خلال ذلك معرفة نقاط الضعف وبذلك يمكن السيطرة عليها ، ومعرفة السبل التي يمكن من خلالها تغيير أنماط التفكير لدى الأمم الأخرى بصورة تؤدي إلى تبعية أولئك لهم .ومن ذلك ما حدث من أعداء المسلمين حينما أرادوا الاستيلاء على الأندلس وطرد المسلمين عنها ، فإنهم حينما فكروا في ذلك بعثوا عيونهم ليستطلعوا أحوال المسلمين فشاهدوا الشباب المسلم يتسابقون نحو الذهاب إلى الثكنات للدفاع عن الإسلام والمسلمين فعادوا أدراجهم في المرة الأولى لإدراكهم أنهم لن يستطيعوا التغلب على أناس هذا هو تفكيرهم ، ولما رجعوا المرة الأخرى وقابلوا أحد الشباب المسلم الذي يبكي فقيل له : وما يبكيك ؟ قال لهم : إنه يبكي لأنه فقد خاتم خطيبته ، فقالوا الآن نستطيع هزيمتهم. وما يحدث الآن في كثير من البلدان الغربية والشرقية من دراسات وتحليلات نفسية واجتماعية للمجتمعات الإسلامية وأفرادها ، والتعرف على أنماط التفكير فيها ؛ هو في الواقع من قبيل الرغبة في السيطرة على هذه الأمة ومقدراتها .
البرنس
09-11-2007, 06:21 PM
يتبع
في السيطرة على هذه الأمة ومقدراتها .
معنى التفكير :
التفكُّر اسم للتفكير ، ويقال : فكَّر في أمره وتفكر ، ورجل فكير : كثير الإقبال على التفكر والفِكرَة وكل ذلك معناه واحد . والتفكر التأمل والاسم الفِكْرُ والفِكْرَة والمصدر الفَكْر .
والفَكْرُ والفِكْرُ : إعمال الخاطر في الشيء ، والفكرة كالفكر وقد فَكَر في الشيء وأفكر فيه وتفكر بمعنى ، ورجل فِكِّيْر وفَيْكَر كثير الفكر .
والفاء والكاف والراء تردد القلب في الشيء ، يقال تفكر إذا ردد قلبه معتبرًا ، ورجل فِكّيْر : كثير الفكر .
والتفكر : تصرف القلب في معاني الأشياء لدرك المطلوب ، وهو سراج القلب يرى به خيره وشره ، ومنافعه ومضاره ، وكل قلب لا تفكر فيه فهو في ظلمات يتخبط ، وقيل هو إحضار ما في القلب من معرفة الأشياء ، وقيل : تصفية القلب بموارد الفوائد ، و قيل مصباح الاعتبار ومفتاح الاختبار ، وقيل حديقة أشجار الحقائق وحدقة أنوار الدقائق ، وقيل مزرعة الحقيقة ومشرعة الشريعة ، وقيل : فناء الدنيا وزوالها ، وميزان بقاء الآخرة ونوالها ، وقيل شبكة طائر الحكمة ، وقيل : هو العبارة عن الشيء بأسهل وأيسر من لفظ الأصل .
ومن هنا نعرف أن المراد بالتفكر والتفكير واحد ، غير أن استعمال التفكر قديمًا كان أشيع والتفكير حديثًا أشيع ؛ لأن الفاء والكاف والراء تدل على تردد القلب في الشيء فعن طريق التفكر أو التفكير تستطيع إحضار ما في القلب من معارف وتصفيه بما ورد إليك من فوائد ، ويضيء لك الطريق حتى تعتبر بما تشاهد وتسمع ، ويفتح لك آفاقًا رحبة من حلول المشكلات ، ويقدم لك كامل الحقائق البارزة ، ويكبر لك الأشياء الدقيقة الصغيرة حتى تتمكن من رؤيتها وإدراكها .وتستطيع به التوصل إلى الحقائق الموجودة ، والطريق الصحيح الذي ينبغي أن يسلك ، وبه تدرك فناء الدنيا الزائلة ، وتنال الفضل في الآخرة ، وعن طريقة تصطاد الحكمة ، وتستطيع توصيل المعلومة للناس بعبارة سهلة ميسرة ، إلى غير ذلك من الفوائد الجمة التي لا يمكن حصرها للتفكر أو التفكير .
العقل محل التفكير :
لا شك أن العقل محل التفكير ، والإنسان بلا عقل لا تفكير له ، وكلما صغر عقله صغر تفكيره ، ولذلك جعل الشارع العقل مناط التكليف في غالب العبادات ، وشرط المساءلة في العقوبات . يقول صلى الله عليه وسلم : (( رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يعقل )) ، وذلك بسبب انعدام العقل أو عدم اكتماله . ومن هنا كان حرص الشريعة على هذا العقل فجعلت حفظه من الضروريات الخمس ، وحرمت كل ما يؤدي إلى زوال العقل أو الإضرار به مثل شرب الخمر وغيره . كما أن نصوص الشريعة لم تتعارض والعقل السليم ، بل إن كل ما جاءت به يتوافق والعقل على الدوام ، بل إنها تنعى على من لم يعمل عقله في الكون ليتعرف على الكون وأسراره ليتوصل إلى قدرة وعظمة الخالق سبحانه . قال تعالى : (( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون )) وقال تعالى: (( وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون )) وقال تعالى: ((وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير )) ، وقال تعالى: (( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو أذان يسمعون بها)) ، وقال تعالى: (( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون )) ، وقد ورد العقل في مجال التفكر والتدبر في أكثر من 49 موضعًا من القرآن الكريم.وقال تعالى : ((إن في خلق السنوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب )) وقال : ((لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب )) وقال : (( إنما يتذكر أولو الألباب )) .وقد ورد ذكر الألباب في مجال التفكر التذكر والتدبر 16 مرة في القرآن الكريم.
وإذا حصل تعارض بين العقل والنص الصحيح فهذا دليل على فساد العقل
البرنس
09-11-2007, 06:24 PM
يتبع
وعدم مقدرته على الوصول إلى الحق يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله :إن كل ما عارض الشرع من العقليات فالعقل يعلم فساده وإن لم يعارض العقل ؛ وما علم فساده بالعقل لا يجوز أن يعارض به لا عقل ولا شرع .
ويقول الغزالي : ((اعلم أن القلب بغريزته مستعد لقبول حقائق المعلومات – كما سبق – ولكن العلوم التي تحل فيه تنقسم إلى عقلية ، وإلى شرعية ، والعقلية تنقسم إلى ضرورية ، ومكتسبة ، والمكتسبة إلى دنيوية وأخروية ، أما العقلية فنعني بها ما تقضي بها غريزة العقل ، ولا توجد بالتقليد ولا بالسماع ، وهي تنقسم إلى ضرورية لا يدرى من أين حصلت وكيف حصلت ، كعلم الإنسان بأن الشخص الواحد لا يكون في مكانين ، والشيء الواحد لا يكون حادثًا قديمًا موجودًا معدومًا معًا ، فإن هذه علوم يجد الإنسان نفسه منذ الصبا مفطورًا عليها ولا يدري متى حصل له هذا العلم ، ولا من أين حصل له ، أعني أنه لا يدري له سببًا قريبًا ، و إلا فليس يخفى عليه أن الله هو الذي خلقه وهداه . وإلى علوم مكتسبة وهي المستفادة بالتعلم والاستدلال .وكلا القسمين قد يسمى عقلاً)) . ويقول : (( إذ مجرد العقل لا يهتدي إليه ولكن لا يمكن فهمه بعد سماعه إلا بالعقل ، فلا غنى بالعقل عن السماع ولا غنى بالسماع عن العقل ، فالداعي إلى محض التقليد مع عزل العقل بالكلية جاهل والمكتفي بمجرد العقل عن أنوار القرآن والسنة مغرور )) ويقول : (( وظن من يظن أن العلوم العقلية مناقضة للعلوم الشرعية وأن الجمع بينهما غير ممكن هو ظن صادر عن عمى في عين البصيرة نعوذ بالله منه ، بل هذا القائل ربما يناقض عنده بعض العلوم الشرعية لبعض ، فيعجز عن الجمع بينهما فيظن أنه تناقض في الدين فيتحير به فينسل من الدين انسلال الشعرة من العجين ، وإنما ذلك لأن عجزه في نفسه خيل إليه نقصًا في الدين ، وهيهات ز وإنما مثله مثال الأعمى الذي دخل دار قوم فتعثر فيها بأواني الدار فقال لهم ما بال هذه الأواني تركت على الطريق لم لا ترد إلى موضعها .فقالوا له تلك الأواني في مواضعها وإنما أنت لست تهتدي الطريق لعماك ، فالعجب منك أنك لا تحيل عثرتك على عماك وإنما تحيلها على تقصير غيرك )) .
الحفظ لا يعني القدرة على التفكير :
قد يملك الإنسان حافظة قوية فيحفظ ما يسمع إلا إنه قد لا يعي ما حفظ ، والحفظ أمر مطلوب ، لكنه ينبغي أن يتواكب مع الفهم الصحيح لما تم حفظه والتفكير في مدلولاته، وإلا فإن ذلك قد يؤدي إلى نتائج لا يتشوف إليها الشارع الحكيم . روى أبو داود عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : (( سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ )) ، وروى أحمد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ شَهِدَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي وَاللَّهِ لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا بِمَكَانِي هَذَا فَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ سَمِعَ مَقَالَتِي الْيَوْمَ فَوَعَاهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ وَلَا فِقْهَ لَهُ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ أَمْوَالَكُمْ وَدِمَاءَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ هَذَا الْيَوْمِ فِي هَذَا الشَّهْرِ فِي هَذَا الْبَلَدِ وَاعْلَمُوا أَنَّ الْقُلُوبَ لَا تُغِلُّ عَلَى ثَلَاثٍ إِخْلَاصِ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَمُنَاصَحَةِ أُولِي الْأَمْرِ وَعَلَى لُزُومِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ .
وروى الدارمي في المقدمة :قَالَ :عَلِيٌّ الْفَقِيهُ حَقُّ الْفَقِيهِ الَّذِي لَا يُقَنِّطُ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَلَا يُؤَمِّنُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَلَا يُرَخِّصُ لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ إِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَا عِلْمَ فِيهَا وَلَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا فَهْمَ فِيهِ وَلَا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَا تَدَبُّرَ فِيهَا .
وروى الدارمي عن بعض الفقهاء قال : يَا صَاحِبَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِنْ تَنْقُلِ الْحِجَارَةَ وَالْحَدِيدَ أَهْوَنُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْ تُحَدِّثَ مَنْ لَا يَعْقِلُ حَدِيثَكَ وَمَثَلُ الَّذِي يُحَدِّثُ مَنْ لَا يَعْقِلُ حَدِيثَهُ كَمَثَلِ الَّذِي يُنَادِي الْمَيِّتَ وَيَضَعُ الْمَائِدَةَ لِأَهْلِ الْقُبُورِ .
السلف الصالح والتفكير :
لقد اهتم السلف الصالح بالتفكير وكانوا كثيرًا ما يفكرون ويتفكرون فيما حولهم ، قدوتهم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم روى البيهقي : ((كان سكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم على أربع : الحلم والحذر والتقدير والتفكير فأما تقديره ففي تسويته النظر والاستماع بين الناس وأما تذكره أو قال تفكيره ففيما يبقى ويفنى)) .وسئل أبو يزيد عن علامة من يحب الله وعلامة من يحبه الله ، قال : من يحب الله فهو مشغول بعبادته ساجدًا أو راكعًا فإن عجز عن ذ لك استروح إلى ذكر القلب والتفكير … الحديث .
وعن أم الدرداء قيل لها ما كان أفضل عمل أبي الدرداء ؟ قالت : التفكير.
نصوص الشريعة وإزالة معوقات التفكير :
لقد ورد في النصوص الشرعية ما يدل على الحرص على إزالة معوقات التفكير ومن معوقات التفكير :
1- الغضب ، فالغضبان تصدر عنه تصرفات بلا تفكير ولا تبصر وتكون نتائجها وخيمة عليه وعلى من حوله ، روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصِنِي قَالَ : (( لَا تَغْضَبْ فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ لَا تَغْضَبْ )) ، وري أن أبا بكرة كَتَبَ إِلَى ابْنِهِ وَكَانَ بِسِجِسْتَانَ بِأَنْ لَا تَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ)) .
2- الجوع والعطش :
عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : (( مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرِئَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ وَأَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمُ امْرُؤٌ جَائِعٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى )) .
وروى عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأخْبَثَانِ )) .
3- تحريم تعاطي المسكرات أو المخدرات أو المفترات ؛ لأنها تؤدي إلى إذهاب العقل الذي هو محل التفكير . قال تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر وعن الصلاة فهل أنتم منتهون)) . وروى البخاري عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ لَهُمَا يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا قَالَ أَبُو مُوسَى يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضٍ يُصْنَعُ فِيهَا شَرَابٌ مِنَ الْعَسَلِ يُقَالُ لَهُ الْبِتْعُ وَشَرَابٌ مِنَ الشَّعِيرِ يُقَالُ لَهُ الْمِزْرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ )) . وروى مسلم عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَتُبْ لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ )) . وروى أبو داود عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : (( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ )) .
4- النهي عن التقليد الأعمى دون التبصر والتدبر .قال تعالى : (( بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ، قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون )) .وقال تعالى : (( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباؤنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون )) . وقال تعالى : (( وإذا فعلوا فاحشة قالوا إنا وجدنا عليها آباءنا)) ، وقال تعالى : (( وإذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ، قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين )) .
5- والتسرع في إصدار الأحكام لا يعطي مجالاً للتفكير السليم ونتائجه قد تكون سيئة على الفرد نفسه أو على من حوله . روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ ؟ قَالَ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِيَالِيلَ بْنِ عَبْدِكُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا .
6- واتباع الهوى من العوامل المؤثر في إعاقة التفكير السليم ، قال تعالى : ((أفرأيت من اتخذ إلهه هواه أ فأنت تكون عليه وكيلاً )) . وقال تعالى : ((فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله )) .وقال : (( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه فكان أمره فرطًا )) . وقال تعالى : (( فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم )) .
7- التعصب للشيء أو ضده مثل الأشخاص أوالأماكن أو القبائل ، أو العلماء أو غيرهم يعيق عملية التفكير السليم ، قال تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلو اعدلوا هو أقرب للتقوى )) . وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ .
البرنس
09-11-2007, 06:28 PM
يتبع
نصوص الشريعة ودعم ما يعزز التفكير :
من المعروف عند علماء التربية أنه كلما زادت مهارة الفرد في الاستماع والتحدث والقراءة والكتابة كلما زادت قدرته على التفكير ،وأنه كلما كان هناك تروِ وتمعن كلما زادت سلامة التفكير . ولو استعرضنا نصوص الشريعة لوجدنا أنها تعزز كل تلك الأشياء:
1- ففيما يتعلق بالقراءة فإن أول ما نزل من كتاب هو (( اقرأ باسم ربك الذي خلق)) .وقال تعالى : (( وقرآنًا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث )) .
2- وفي جانب الكتابة قال تعالى : ((اقرأ كتابك كفي بنفسك اليوم عليك حسيبًا)) ، ويقول : (( ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجله)) ، ((وليكتب بينهم كاتب بالعدل )) ، ويقول : (( أم عندهم الغيب فهم يكتبون )) ، وقال : (( وكل شيء أحصيناه كتابًا)) .
3- وفي مجال حسن الإصغاء والاستماع قال تعالى : ((ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون )) .وقال : (( ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحًا إنا موقنون )) وقال : (( فقالوا إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به)) ، و قال : (( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله)) ،وقال: (( وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير)) .وقال : (( إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله )) ، وقال : ((فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا )) وقال (( وإذا قريء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا)) . وقال : (( يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له )) .
4- وفي مجال التثبت والتروي والتبين قال تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على فعلتم نادمين )) .
والتبين في الشيء قبل الحكم عليه أو الإقدام فيه هو نوع من أنواع التفكير التي نصت الشريعة على ضرورة الأخذ بها حتى لا يصدر عن الحكم أو التصرف نتائج سلبية تؤثر على المتصرف أو على من حوله قال تعالى : (( سنريهم آيتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق )) ، وقال تعالى : ((يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا )) ، وقال : (( كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا)) ، وقال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا )) ، وقال تعالى : (( وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال )) ، وقال تعالى : (( من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم)) .
5- والتدبر في الشيء مرادف للتفكير فيه : يقول الله تعالى : (( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا )) ، ويقول تعالى (( أفلا يتدبرون القرآن أمة على قلوب أقفالها )) ، وقال تعالى : (( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب )) ، ويقول ابن سعدي رحمه الله يأمر تعالى بتدبر كتابه وهو التأمل في معانيه وتحديق الفكر فيه وفي مبادئه وعواقبه ولوازم ذلك ؛فإن تدبر كتاب الله مفتاح للعلوم والمعارف وبه يستنتج كل خير وتستخرج منه جميع العلوم وبه يزداد الإيمان في القلب وترسخ شجرته .
نصوص الشريعة والتفكير :
لقد جاءت النصوص الشرعية تحض العقل البشري على التفكير سواء كان ذلك بأسلوب مباشر أو غير مباشر .بل قد لا نكون مبالغين إن قلنا أن نصوص الشريعة جميعها تحض على التفكير ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصًا على إثارة تفكير الصحابة ومن ذلك ما روي عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي قَالَ عَبْدُاللَّهِ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَاسْتَحْيَيْتُ ثُمَّ قَالُوا حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هِيَ النَّخْلَةُ )) وكذلك قوله : ((إن الجنة لا يدخلها عجوز )) ، فإن من أخذ بالمعنى الظاهري لهذا الحديث اعتقد أن المراد العجوز في الدنيا بينما في الآخرة لا يوجد عجوز بل يعود الناس شبابًا ، لكنه أراد من الصحابة أن يعملوا الفكر في معنى كلامه هذا فيتوصلون إلى الحقيقة .
وحتى النصوص التي تدعو إلى الإيمان بالغيب فإنها لم تكن بمعزل عن هذا الجانب ؛ لأننا لو أمعنا النظر في ذلك لتبين لنا أن النصوص لم تدع إلى الإيمان بشيء من المغيبات إلا بعد أن جاءت بالبراهين الدالة على وجودها وطلبت من الفرد أن يتفكر في ذلك فعلى سبيل المثال لا الحصر طلبت النصوص الإيمان بالبعث بعد الموت بل أكدت على حدوثه ((زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير)) ،ثم جاءت بالدليل القاطع والبرهان الساطع على إمكانية حدوثه (( وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ، الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارًا فإذا أنتم منه توقدون أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم)) ، وقال : (( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه )) ، فالذي يملك العقل ويطلق العنان للتفكير يدرك أن القادر على الخلق في البداية قادر على الإعادة بل الإعادة أهون بكثير ولذلك العجب كل العجب ممن ينكر البعث بعد الموت مدعيًا أن ذلك لا يمكن حدوثه بالنظر إلى صعوبته على المخلوق وعدم قدرة العقل القاصر (عقل الكافر ) على تصوره لعدم قدرته على التفكير الصحيح الموصل إلى الحقيقة ، قال تعالى : (( وإن تعجب فعجب قولهم أ إذا كنا ترابًا أ إنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )) ، أورد هذا التعجب بعد أن ساق عددًا من البراهين العقلية الدالة على قدرة الله سبحانه وتعالى على الخلق التي يتوصل الإنسان بشيء من التفكير فيها إلى قدرة الله سبحانه وتعالى على الخلق وإعادته ، قال تعالى : (( الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارًا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون )) .
وأما فيما يتعلق بالإيمان بالله وإثبات وجودة عن طريق التفكير وذلك من أمر الغيب فالنصوص كثيرة منها قصة إبراهيم عليه السلام قال تعالى : ((وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين فلما جن عليه الليل رأى كوكبًا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ، فلما رءا القمر بازغًا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكو نن من القوم الضالين فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين )) .لقد عَلَّمَ إبراهيم عليه السلام - بهذا الأسلوب القائم على التفكير- قومه كيف يتوصلون إلى وجود الخالق بالتفكير فيما حولهم من الآيات الدالة على وجوده سبحانه .وعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي لَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَنَظَرْتُ فَوْقَ قَالَ عَفَّانُ فَوْقِي فَإِذَا أَنَا بِرَعْدٍ وَبَرْقٍ وَصَوَاعِقَ قَالَ فَأَتَيْتُ عَلَى قَوْمٍ بُطُونُهُمْ كَالْبُيُوتِ فِيهَا الْحَيَّاتُ تُرَى مِنْ خَارِجِ بُطُونِهِمْ قُلْتُ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ قَالَ هَؤُلَاءِ أَكَلَةُ الرِّبَا فَلَمَّا نَزَلْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا نَظَرْتُ أَسْفَلَ مِنِّي فَإِذَا أَنَا بِرَهْجٍ وَدُخَانٍ وَأَصْوَاتٍ فَقُلْتُ مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ هَذِهِ الشَّيَاطِينُ يَحُومُونَ عَلَى أَعْيُنِ بَنِي آدَمَ أَنْ لَا يَتَفَكَّرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَرَأَوُا الْعَجَائِبَ .
وفي أمور الناس وشؤونهم لم تخل النصوص المنظمة لها من التفكير المنطقي لبيان المنع أو الإيجاب وهذا من باب احترام الشرع للعقل البشري وإلا كان بمقدور الشارع أن يمنع ذلك دون اللجوء إلى بيان الأسباب، ففي الخمر والميسر مثلاً بين أنهما يشتملان عل منافع للناس وهذا صحيح لكنهما أيضًا يشتملان على مضار كثيرة كبيرة تعود على الفرد والمجتمع بالدمار والهلاك ولو تمت المقارنة بين المنافع والمضار لرجحت كفة المضار المترتبة بصورة كبيرة والعقل يقول إذا كان الضرر كبيرًا والنفع قليلاً فالأولى ترك هذا الشيء،فأطلق العنان هنا للعقل البشري كي يقارن بين الفوائد والمضار التي يمكن أن يجنيها شارب الخمر ليتوصل إلى الحقيقة التي هي في صالحه ؛ فإن كان هذا العقل سليمًا صافيًا استطاع أن يتوصل هذه المضار والمنافع فيقارن بينها وإذا كان يملك العقل الذي به يفكر امتنع عن تعاطيه حتى ولو لم يؤمر بذلك ؛ قال تعالى : (( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون)) .وفي الصيام بينت النصوص الشرعية أن في الصيام خير كثير لمن صام قال تعالى ((فمن تطوع خيرًا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم )) ، وإذا كان الصيام خير في حق من يتكلفه ويشق عليه مشقة لا يمكن احتمالها ففي حق القادر أولى ، ولكن العقل إذا أمعن التفكير في فضل الصيام ، وسبب كون الصيام خيرًا للصائم ؛ يجد السبب أن الصيام من أكبر أسباب التقوى ، وفيه تدريب على مراقبة العبد لربه دائمًا ، وفيه تضييق لمجارى الشيطان الذي يجري من الإنسان مجرى الدم حيث تقل المعاصي فيضعف نفوذ الشيطان وتكثر الطاعة ، ويحس الغني بحاجة الفقير.
والتفكير ضروري لإقامة الحجج والبراهين على المخالفين قال تعالى : (( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين )) .
والتفكير ينجي الإنسان من الوقوع فيما يستحق عقاب الله في الدنيا والآخرة قال تعالى : (( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار)).
البرنس
09-11-2007, 06:29 PM
يتبع
وضرب الأمثلة من الأساليب التي اتبعتها النصوص الشرعية لتعميق التفكير وزيادة للوصول إلى النتيجة المرجوة قال تعالى: (( وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون)) ، وقال تعالى : (( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يومًا أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحمًا فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير)) ، وقال تعالى : (( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم )) ، وقال تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدًا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين )) وقال تعالى : (( ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتًا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون)) وقال تعالى : (( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون )) .
روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ _ رضي الله عنه _ قَالَ : قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ فِي الظَّهِيرَةِ لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ ؟ قَالُوا : لا قَالَ : فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ فِي سَحَابَةٍ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا . قَالَ : فَيَلْقَى الْعَبْدَ فَيَقُولُ أَيْ فُلْ أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ فَيَقُولُ بَلَى قَالَ فَيَقُولُ أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ فَيَقُولُ لَا فَيَقُولُ فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي ثُمَّ يَلْقَى الثَّانِيَ فَيَقُولُ أَيْ فُلْ أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ فَيَقُولُ بَلَى أَيْ رَبِّ فَيَقُولُ أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ فَيَقُولُ لَا فَيَقُولُ فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِرُسُلِكَ وَصَلَّيْتُ وَصُمْتُ وَتَصَدَّقْتُ وَيُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَ فَيَقُولُ هَاهُنَا إِذًا قَالَ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدَنَا عَلَيْكَ وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ وَلَحْمِهِ وَعِظَامِهِ انْطِقِي فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ وَذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللَّهُ عَلَيْهِ وروى أحمد في مسنده عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ بَيْنَمَا عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ يَقُصُّ وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَشَاةٍ مِنْ بَيْنِ رَبِيضَيْنِ إِذَا أَتَتْ هَؤُلَاءِ نَطَحْنَهَا وَإِذَا أَتَتْ هَؤُلَاءِ نَطَحْنَهَا فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَشَاةٍ بَيْنَ غَنَمَيْنِ قَالَ فَاحْتَفَظَ الشَّيْخُ وَغَضِبَ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَمَا إِنِّي لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ لَمْ أَرُدَّ ذَلِكَ عَلَيْكَ .
وهذه دعوة صريحة للتفكر قال تعالى : (( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون )) .
والتفكير ضروري للرد على حجج المخالفين لكن الإنسان المستقيم على شرع الله المبتعد عن الهوى والضلال يستخدم تفكيره في تبيين الحق من الباطل دون تعمد تزييف الحقائق ، أما أصحاب الهوى والضلال فإنهم يستخدمون التفكير في قلب الحقائق وتزييفها وتزيين الباطل وتنميقه ؛ كما حصل من الوليد بن المغيرة حينما استخدم تفكيره للانتقاص من القرآن مع اعترافه ببلاغة وفصاحة وبيان وعذوبة هذا القرآن . قال تعالى : (( إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر )) .
وختامًا فإن نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية في مجملها تحث العقل على التفكير وتدعو إليه، ولا نبالغ إن قلنا إنه ما من أمر أو نهي في القرآن والسنة إلا وتضمن احترام عقل المسلم وتفكيره ، وذلك ببيان فائدة الالتزام بالمأمور به وترك المنهي عنه أو الحكمة من ذلك كله .
وبما أن مواد التربية الإسلامية قائمة في الأساس على هذه النصوص فما باب أولى أن نحاول جعل هذه المواد مجالاً رحبًا لتعليم التفكير ، وأن تكون انطلاقة التلميذ نحو التفكير السليم من خلال مواد التربية الإسلامية ، وبذلك نكون قد أتحنا للتلميذ الفرصة أن ينطلق بتفكيره نحو مساحات أرحب من خلال إطار شرعي سليم .
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل ،،،،
منقول
ملك الغرام
09-15-2007, 12:20 PM
مشكور اخوي علي الموضوع
البرنس
10-02-2007, 02:19 PM
مشكور اخوي علي الموضوع
شاكر ومقدر مرورك اخوي مللك الغرام
تقبل خالص تحياتي
اخوك البرنس
عيسى العنزي
12-22-2007, 03:38 AM
شكرا لك
اخي الكريم
يعطيك العافيه
لك احترامي
vBulletin® v3.7.3, Copyright ©2000-2008, TranZ by Almuhajir